مرتضى مطهري ( تعريب : هادي اليوسفي )
20
في رحاب نهج البلاغة ( سيرى در نهج البلاغه )
وكان معاوية بن أبي سفيان - وهو أدل أعدائه - معترفا بفصاحته وجمال أسلوبه : فقد أدبر محقن بن أبي محقن عن الإمام ( ع ) وأقبل على معاوية وقال له - وهو يريد أن يفرح قلبه الفائز بالحقد على الإمام ( ع ) - جئتك من عند أعيا الناس وكان هذا التملق من القبح بمكان لم يقبله حتى معاوية ، فقال له : ويحك كيف يكون أعيا الناس فو اللّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره . أ - النفوذ والتأثير كان الذين يجلسون إلى منبره فيستمعون إليه يتأثرون بكلامه كثيرا ، إذ كانت مواعظه تهز القلوب وتسبل الدموع . والآن أيضا من ذا يسمع وعظه أو يقرأه فلا يهزله وهذا السيد الرضي ( ره ) يقول بعد نقله الخطبة المعروفة بالغراء : « وفي الخبر أنه ( ع ) لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود ، وبكت العيون ، ورجفت القلوب . ومن الناس من يسمي هذه الخطبة : الغراء » . وكان همام بن شريح من أصحابه ( ع ) من أولياء اللّه وأحبائه متيّم القلب بذكره ، فطلب من الإمام ( ع ) بإصرار أن يرسم له صورة كاملة للمتقين ، وكان الإمام ( ع ) يخاف عليه أن لا يتحمل سماع كلماته ، فاقتصر على جمل مختصرة إذ قال : « اتق اللّه يا همام وأحسن ، فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون » ولكن لم يقنع بهذا همام بل إذ داد شوقه إلى كلامه ( ع ) أوارا وضرما ، فأصر عليه أكثر من ذي قبل حتى أقسم عليه فبدأ الإمام ( ع ) خطبة عد فيها ( 105 ) من أوصاف المتقين وكلما أدام الإمام كلامه وصعد في صفات المتقين ازداد اضطراب نفس همام كأنها طير يحاول أن يكسر قفصه فيخرج منه وفجأة قرعت أسماع الحاضرين صرخة مهولة جلبت أنظارهم إلى صوب همام ولم يكن الصارخ سوى
--> ( 1 ) الخطبة : 82 ص 276 - 241 ج 6 من شرح النهج لابن أبي الحديد ، بتحقيق محمد أبو الفضل . ( 2 ) الخطبة : 186 ص 149 - 132 ج 1 من شرح النهج لابن أبي الحديد ط أبو الفضل .